9‏/2‏/2013

مصاب الثورة عبد الله شلش : أشاهد الدنيا بعيون زوجتى


لم يكن يدرى حين توجه إلى ميدان التحرير للمشاركة فى جمعة الغضب - التى تداعى إليها الثوار يوم 28 يناير2011- أنه سيعود دون عينيه ، أو أنه سيكون أحد مصابى الثورة الذين سيحملون هذا الوسام طول حياتهم . ورغم ذلك لم يندم على هذه الإصابة التى لحقت بعينيه ؛ بل كان يتمنى أن يموت فى سبيل تحقيق هدف الحرية الغالى ، مؤكدا أن الذين قضوا نحبهم خلال أيام الثورة فازوا بالنصيب الأوفر بينما كان جزاء المصابين بعدهم فى المرتبة الثانية .
وكان شعور عبد الله شلش - أحد مصابى الإخوان فى الثورة - بالفخر أكثر حين توجه إلى نفس المكان الذى استقبلت فيه كلتا عينيه الخراطيش الثلاثة ، حيث أحس حين زار ميدان التحرير بعد الثورة – فى مليونية 18 يوليو - أنه قام بدور  فى تحرير مصر من الكابوس الذى ظل جاثما على أنفاس أبنائها طوال ثلاثين عاما . كما يشكر الله على أنه اصطفاه من بين الملايين ليحصل على هذا الشرف الكبير بأن تصاب عينيه فى سبيل الوطن ، وبناء على كلمة حق عند السلطان الجائر الذى دمر مع أعوانه الحرث والنسل .  
وأفسح المجال أمام " شلش " ليحكى ما حدث معه خلال أيام الثورة حيث يقول: صليت الجمعة مع جموع غفيرة من الإخوان فى مسجد بشارع ترسا وبعدها خرجنا فى مظاهرة نحو التحرير بدأت بخمس مائة شخص إلى أن أصبح حصر عدد المشاركين فيها صعبا حين وصلت إلى التحرير ؛ بسبب انضمام حشود كبيرة إليها من كافة الشوارع والمناطق التى مرت عليها ، لافتا إلى أن الرحلة لم تكن سهلة ؛ حيث واجهت المظاهرة مقاومة عنيفة للغاية من جانب أكثر من قوة أمنية فى شارع الهرم ، وميدان الجيزة ، وكوبرى قصر النيل ، وانتهاء بثلاث حوائط صد بشرية داخل الميدان . إلا أن المتظاهرين تمكنوا من صد هذه الهجمات العنيفة ، وتخطى هذه الحواجز التى انهارت بسبب العدد الكبير والإصرار الذى كان مسيطرا على الجميع بأن يضعوا نهاية لهذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر .
ويضيف مصاب الثورة : بعد وصولنا إلى التحرير لم يتوقف ضرب الشرطة لنا بالقنابل المسيلة للدموع والخراطيش ، ولمحت أحد الجنود يسير بجوار أحد الحوائط فقذفته بالحجارة فى نفس اللحظة التى فوجئت فيها بثلاث رصاصات تستقر فى عينى ؛ الأمر الذى أفقدنى البصر على الفور . ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة العلاج لمحاولة إعادة النور إلى عينى . وتمكنت بعد عمليتين من أن أشاهد الأشياء بصعوبة بالغة ، كما أكد الأطباء أن هناك عمليتين أخريين لابد من إجرائهما لإزالة " زيت السيليكون " وضبط الشبكية .
كان شلش يعمل محاسبا فى أحد مصانع الطوب بمدينة البدرشين بالجيزة ، إلا أنه توقف – بالطبع – عن ممارسة العمل بسبب الإصابة ، وأصر خلال لقائى معه على توجيه الشكر لصاحب المصنع الذى كان يعمل به – الحاج رأفت الحمزاوى – على وقفته المتميزة معه بعد الإصابة ، كما لم ينس عبد الله الإشارة إلى موقف زوجته نادية لبنة التى كانت عينه التى يشاهد بها العالم منذ إصابته حتى الآن .
الطريف |أن الرصاصات الثلاث التى استقرت فى عينى شلش لم تكن الهدية الأولى التى تلقاها من النظام السابق ؛ حيث سبق أن قضى فترات طويلة من الاعتقال خلال الانتخابات البرلمانية منذ عام 2000 حتى 2010 ، كما كان ضيفا دائما على مقر مباحث أمن الدولة .
    

5‏/7‏/2010

سلمت يداك

إلى شاعر حرك وجداني بكلمات خلتها ضرب الرصاص
سلمت يداك
قربت لي في الأرض ما أحسستُه عالٍ .. هناك
فاسلم وواصل ما بدأت وكل غالٍ قد فداك
********
فالليل ينتظر الضياء
والجدب يشتاق الرواء
والأمة العطشى يعوزها شلال ماء
********
والله إن الشعر حين يكون مصدره القلوب
ينساب في الأرواح يمسح ما تعلق من عيوب
تسَّاقط الكلمات منه .. بعزفها روحي تذوب
********
فانشد وواصل رافعًا أصوات جيل
سئم السكون وضره صمت عليل
يرنو إلى فجر قريبٍ يقهر الليل الطويل
********

وحينها تصفو النفوس ونستعيد الذكريات
تنزاح رائحة العفونة ، تحتوينا الأمنيات
يتعاظم الإقدام فينا مستخفًّا بالممات
********
يا أيها الشعراء يا من بالمحاسن تفتنون
أهدي إليكم صرختي فعساكم تتراجعون
وتحطموا أصنامكم ؛ ركب المعالي تلحقون

29‏/6‏/2010

أفاق عربية .. حين تُجهض الأحلام ويُقصف القلم


كانت آفاق عربية بمثابة البيت الذي نؤوب إليه بعد التعب ، والحضن الدافيء الذي يضمنا عند الحاجة إلى الأمان ، والصدر الحنون الذي كان يستوعبنا لحظة البكاء والأنين ..
صنعت منا الجريدة قامات جيدة في الصحافة كل حسب قدراته ومواهبه .. كانت نسبة الانسجام والاتفاق بين أبنائها مثالية بين كافة الإصدارات والمطبوعات التي عرفناها .. مثلت لنا جريدتنا الفقيدة المدرسة التي تلقينا فيها الدروس في الصحافة والأخلاق ، كان اسمها يسبقنا في كل مكان نذهب إليه .. فالاحترام لها متوفر ، وإن اختلف معها البعض في التوجهات والرؤى ، إلا أن التقدير والتوقير لها كان هو الوضع الطبيعي لدى الجميع ..
ربما رأيتم من فقد ابنه أو أحد والديه .. هل شعرتم بغربته ووحشته ؟ هذا بالتحديد ما شعرنا به حين تقرر إغلاق الجريدة في ذلك اليوم - الثلاثاء - ، ومنذ ذلك الحين نمر على العمارة الأولى في شارع نوال فنصعد إلى مكاتبنا فيها بقلوبنا قبل الأقدام ، ندور بين الغرف لنتذكر تلك الماكينة التي كانت حية في ذلك المكان ، نسترجع " قفشاتنا" وضحكاتنا وأحلامنا التي وئدت مبكرًا ..
من آفاق عرفَنا الناس ، ومنها ولجنا إلى نقابة الصحفيين ، وعبرها كتبنا ما تراءى لنا أنه في صالح الأمة والوطن والأهل .. كم دافعت آفاق عن المظلومين ، واستقبلت الثكالى والمكلومين ، وناصرت الضحايا والمقهورين .
كانت منبرًا لقول الحق في وجه الجائرين أيًّا كانت مناصبهم أو درجاتهم في الوقت الذي كان غيرها يسعى إلى المال وترضية السلطان بأي شكل .. كانت راية يتجه إليها الذين ضاقت بهم الدنيا واستبد بهم القهر والتعسف فلا يجدون فيها إلا صدق الكلمة وشجاعة التعبير ..
فيها اقتربنا من أصحاب القلوب النقية ، وعرفنا كيف تجتمع الأخوة والعمل تحت سقف واحد ..
فيها اقتربت قلوبنا ، وتشابكت توجهاتنا ، والتحمت أسرنا .. فإليها التحية والتقدير .

24‏/6‏/2010

أوباما .. حبيب العرب!


أوباما" كل " دماغنا بكلام حلو وخطير

قال لازم حل عادل ، والمسلم ده أمير

ولقينا بعد فترة إن احنا بنستجير

من "كيله " وظلمه برضه أتاريه كداب كبير

بس ارجع أقول يا صاحبي العيب مهوش عليه

العيب على أمة باعت راسها وحاجات كتير

بدائل النيل متوفرة .. لا داعي للقلق



لست مع المتخوفين من الأزمة الخانقة التي يمر بها نهر النيل خلال هذه الفترة ، كما أنني لست قلقًا من المؤامرة واسعة النطاق التي تدور رحاها على شطآن النيل الغالية من جانب دول الحوض التي لم يعلم معظمنا أسماءها إلا منذ شهور। ولاشك أن هذا الاطمئنان لم ينشأ عن تحركات مصرية واسعة النطاق والتأثير ؛ لسبب بسيط يتمثل في أننا لم نعتد من حكوماتنا العبقرية التحرك سواء قبل الأزمات أو بعدها ، اللهم إلا تحركها في مواجهة مواطنيها الذين يحتجون على أوضاع سياسية أو مادية غير مرضية.

اطمئناني من ناحية أزمة النيل يرجع إلى أن هذه الأزمة لن تؤثر على بلادنا – التي هي هبة النيل كما قال الراحل هيردوت – بل إن هذه الأزمة الخانقة التي يمر بها نيلنا الجميل فرصة ذهبية أتاحتها لنا الأقدار للعودة إلى الجذور ؛ فليس هناك أحلى ولا أجمل من العودة للجذور !! وأود الإشارة إلى أننا لم نحفظ النعمة التي وهبها الله لنا من خلال هذا النهر العظيم ، فردم النيل في مناطق واسعة يتم على قدم وساق دون توقف ، ودون أي محاولة من جانب المسؤولين لوقف هذه التجاوزات ، وذلك عملاً بمبادئ صلة الأرحام ، واحترام حريات الآخرين ، وبعدين " هو النيل هيخلص يعني لما كل واحد يردم كام متر ؟" ، يأتي ذلك في الوقت الذي لم تتوقف عمليات غسيل " المواعين والحصر والأحصنة والحمير " داخل نهرنا الخالد على مدى سنوات طويلة ، لذلك فليس مقبولاً أن يأتي اليوم من يبكي على النيل – أو يتباكى عليه – ، أو نغضب من الذين يبحثون عن مصالحهم التي تتمثل في إقامة السدود على النيل من منابعه إذا لم نكن قمنا بأي تحرك على مدى السنوات الطويلة لحفظ حقوق هذا الشعب الكبير – في العدد على الأقل – خاصة إذا علمنا أن هذه المخاوف ليست جديدة ؛ بل نعرفها منذ عشرات السنين ، إلا أن الثقة المتناهية التي تميز متخذي القرار في بلادنا العزيزة كانت تطمئننا بشكل دائم ، وتنصحنا بأن نضع " بطيخة صيفي من النوع الكبير" داخل بطوننا؛ لأن هذه التوترات لن تؤثر فينا من قريب أو بعيد ، كما لم نعط أي اعتبار للمئات من التحليلات والتقارير التي أصدرتها مراكز البحوث في كافة أنحاء العالم ، والتي كانت تشير إلى أن الحرب المقبلة لن تكون حرب صواريخ ومدافع وطائرات ؛ بل حرب مياه ، ومن الواضح أننا فهمنا أن حرب المياه هي التي تستخدم فيها الخراطيم والحنفيات العمومية و" الشطافات " ، ولذلك لم نقلق لأن كل هذه الأدوات لعبتنا ، ولدينا من السباكين المهرة من يستطيعون خوض أعتى الحروب وأشرسها في مجال المياه । ولذلك كان صادمًا لنا ما اكتشفناه بعد ذلك حين عرفنا بالمصادفة أن حرب المياه هي الحرب التي ستنشب بسبب الرغبة في الاستحواذ على المياه ؛ لندرتها وحاجة الناس المتزايدة إلى حصص أكبر منها ، حتى بعد هذا الاكتشاف لم نعر الأمر اهتمامًا ؛ لسبب بسيط وهو أن الدول التي تسيطر على منابع النيل أفارقة غلابة لن يتجرؤوا على رفع أصواتهم في وجه الشقيقة الكبرى ومهد الحضارة ودولة الريادة

لذلك كانت المفاجأة صادمة – بالنسبة لنا على الأقل – حيث كبر الصغير ، ونطق الأبكم واكتفى المحتاجون . والآن ॥ بعد أن اتضحت أبعاد المؤامرة ، وانكشف عجزنا الواضح في التواصل مع هذه الدول – ربما لأن اللغات التي يتحدث بها هؤلاء لا يفهمها الأخوة الذين كان قدرنا وقدرهم أن يتولوا هذه المسؤولية . . لذلك لابد من أن نتجاوز الأزمة ، ونعبر عنق الزجاجة ، ولا ندع للإحباط إلينا سبيلاً ॥ وهذا ما تعودنا عليه في دولتنا العظيمة صاحبة التاريخ والجغرافيا وعلم النفس . وبصراحة ॥ لا يجب أن تتوقف الدنيا عند ضياع النيل وجفافه ، فلدينا من المشاكل ما يفوق ذلك بمراحل ؛ خذ مثلاً لذلك أزمة تعيين المرأة قاضية ، والسجال الذي لا يتوقف بين مرتضى منصور وشوبير ، وتداعيات المعارك الخلافية بين مصر والجزائر نتيجة المباراة المشهودة في أم درمان ، وغيرها من القضايا الحيوية التي يجب ألا يتغافل عنها المصريون

لذلك ليس مهمًّا – أعزائي - أن يعطش الناس فمنتجات البيبسي تملأ الأسواق ، ولماذا نزعج أنفسنا بالزراعة إذا كنا نستورد كل شىء من خارج الديار ، ولماذا نتعب بالتفكير في تحلية مياه البحر إذا كانت شركات المياه المعدنية في العالم ترحب بالعطشى المصريين ، وتعتبر أن الشركة شركتهم والمياه مياههم ، ولماذا نذهب بعيدًا .. فالطلمبات التي كانت منتشرة في بر مصر يمكن بسهولة أن نعيدها إلى العمل ، ويكفي أن تقوم الدولة بتبني حملة قومية رافعة شعار " طلمبة لكل أسرة " ، وكفى الله المصريين شر النيل ومشاكله . خاصة أن الإخوة الأفارقة كشروا عن أنيابهم البيضاء في وجوههم السمراء ؛ مما ينذر بعواقب ليست جيدة .. لذلك فلا مشكلة في ردم النيل .. واستثمار أراضيه الخصبة في بناء قصور فارهة . منها نحل أزمة السكن بالنسبة لقطاع كبير من المواطنين الذين ضاقت بهم مارينا ومدينتي والرحاب ، ومنها في نفس الوقت توفير فرص عمل لعدد كبير من الشباب الذين سيعملون حينئذ في خدمة هؤلاء المواطنين السوبر .. خدم وطباخين ومكوجية وأصحاب ملاهي ومراجيح .. يا جماعة ردم النيل خير ، ولكننا لا ندركه بنظرتنا القاصرة.



25‏/5‏/2010

أحبك يا رسول الله


أحبك يارسول الله
أيا قدوة
أيا أسوة
أيا شمسًا من الإشراق جاءتنا لتهدينا
ويا قبسًا من الرحمن أقبل ينشر الدينا
ويا نبعًا من الخيرات أنبت في بوادينا
***
أحبك يا حبيب الخالق الأعلى وصفوته
ويا من تعشق الدنيا وتهوى نور طلعته
ويا من أنقذ الإنسان من بلوى غوايته
***
بحبك يا نبي الله أسمو فوق مأساتي
وأعشق كل ما في الكون أسخر من جراحاتي
وأهدي النصر أمتنا وأربح كل جولاتي
***
أحبك رحمة جاءت لتنقذ كل حيران
وتمنح للدنا نورًا وتهدي الإنس والجان
تؤسس دولة للحق كنت إمامها الباني
***
شفيع الخلق يا طه ويا نورًا من الرحمن
أتيت اليوم كي أدنو وأسأل ربي المنان
بأن أسمو وأن أحظى بقربك أيها العدنان



12‏/12‏/2009

بين عام آت .. وأعوام استأذنت في الرحيل!!


ما أقسى أن يشعر الإنسان بأن أيامه تتسلل من بين يديه ، وأن سنوات عمره تمضي إلى غير رجعة لتنضم إلى أخواتها اللاتي تسربن من حياته حتى الآن . هذا الشعور تحديدًا هو الذي شعرت به في هذه الآونة وأنا أراقب مرور 37 عامًا على حياتي في هذه المعمورة .. بالطبع لا يستطيع أحد أن يوقف الأيام التي تتوالى ، أو يهدئ من الساعات التي تهرول ، لذلك أجدني غير مصدق أن هذا العمر لي ، أو أن هذه السنوات الطويلة مرت من حياتي .
أتذكر في طفولتي حين كنت أمر بجوار المدرسة الثانوية وأرى طلابها فارعي الطول يقفون في فناء المدرسة ، كم تمنيت وقتها أن أكبر لكي أصبح مثل هؤلاء الطلاب .. وحين وصلت إلى تلك المرحلة تمنيت أن ألتحق بالجامعة كي أخرج في المظاهرات ، وأركب المواصلات يوميًّا كي أصل للجامعة التي مرت سنواتها دون أن أدري ، ولم أشعر بالطبع بسنة الخدمة العسكرية ، إلى أن بدأت العمل ودارت دورته ، ثم الزواج والأبناء والمسؤولية .. دوامة لا يكاد الإنسان يشعر بها إلا وهي تتقاذفه يمينًا ويسارًا دون أن يدري ....
سنوات مرت لا أدري في أي الموازين كتبت ..
شابتها نجاحات لا حصر لها في نفس الوقت الذي عانيت فيها إحباطات غير قليلة .
تعرفت فيها على أشخاص يطاولون الملائكة في سموهم وهممهم التي ترفرف في السماء ، في الوقت الذي واجهت آخرين قد لا يقلوا عن الشياطين في دناءتهم وانحطاط أخلاقهم ..
أحببت أشخاصًا ولم أرتح لآخرين ..
تمتعت بنعم كثيرة من الله بها علي بينما كان الشكر من جانبي غير متناسب مع جلال هذه النعم وعظمتها ..
ربما كان احتفاء الأشخاص بأيام ميلادهم ظاهرة لا يقبلها كثيرون إلا أنني أرى أنها فرصة لاستعادة التوازن ، والتخطيط للسنوات المقبلة ، ومحطة مهمة في الاستفادة من الأخطاء والسعي إلى تحقيق الأهداف التي لم تتحقق .
سنوات مرت .. ولا أعلم إن كانت ستلحقها سنوات أم شهور أم أيام أم ساعات أم سيتوقف العمر بعد لحظات ..
في وداع عام .. لن أبكي على ما خسرته فيه ولن أفرح بما حققته ..
وفي استقبال عام أعتزم أن يكون أفضل من كل سابقيه .. أجدد العزم .. وأستنهض الهمة .. وأنظر إلى المستقبل بنظرة مختلفة .. وأذكر نفسي بأن أيامنا معدودة ، وأن " فيه ناس تعيش أموات.. وكتير برغم الموت : تحت التراب عايشين "

6‏/12‏/2009

عبد الخالق .. نموذج فريد



حين دخلت كلية الحقوق في إحدى جامعاتنا العريقة، لفت انتباهي هؤلاء "الزملاء" الذين كان عمر بعضهم يتجاوز أعمار آبائنا.. وكنت أتساءل عن هذا الإصرار الذي يمتلكونه، والذي يتيح لهم تجاهل الفارق العمري والجلوس في مقاعد الدراسة إلى جوار شباب يصغرونهم بسنوات طويلة؟!!.. إلا أنه منذ أيام أضيفت علامة تعجب جديدة بحجم أكبر؛ وذلك حين رأيت هذا الشيخ الوقور يجلس ليستمع إلى تقييم رسالته للدكتوراه، مجهزًا أوراقه ليدخل الموسوعة العالمية للأرقام القياسية من باب العلم؛ ليصبح الأكبر في الحاصلين على درجة الدكتوراه في العالم؛ فلم يمنعه عمره المتقدم من أن يمنحنا مثالاً نادرًا في الوثوب إلى التفوق والعلم والاجتهاد، ورغم سنواته التي قاربت الأربعة والتسعين إلا أن تطلعه إلى الحصول على درجة الدكتوراه لم يتوقف، وعزمه في مناقشة رسالته التي أعدها منذ ربع قرن لم يلن، ولم تستطع السنوات الطويلة التي مرت من حياته في أن تسرب اليأس إلى أعماقه.

لم يحسبها محمد فريد عبد الخالق- الحاصل على درجة الدكتوراه منذ أيام وعضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين- بنفس حساباتنا التي تعطي للعمر قيمة أكبر وتقف عند حدوده بشكل لا يقبل التهاون؛ بل تجاهل السن وانطلق يمنح نفسه سعادة اللحظة، ويربي فينا- في الوقت نفسه- ثقافة الطموح التي تغيب عن الآلاف- إن لم يكن الملايين- من شبابنا الذي يحول ضيق ذات اليد أو الانشغال في البحث عن لقمة العيش دون تطلعه إلى درجة علمية أفضل، أو تقدم علمي في تخصصه، أو حتى تجاوز خطوات في اكتساب المهارات التي لم يعد الاستغناء عنها ممكنًا خلال الوقت الراهن.

لم يؤمن بالمثل القاتل- وليس القائل- "بعد ما شاب ودوه الكُتَّاب"؛ فلم ير عيبًا وهو في هذا العمر أن يلبس الروب، ويقف في قاعة درس صغيرة بكلية الحقوق بين يدي أساتذة في عمر أبنائه؛ ليجيب عن تساؤلاتهم، وربما تلعثم في الإجابة عن بعض الأسئلة كما يرتبك جل الذين يناقشون رسائلهم العلمية، ولم ير "الطالب" حرجًا في أن يسنده أبناؤه من اليمين والشمال حتى يتمكن من الوصول إلى ذلك الكرسي الذي طالما تاق إلى أن يجلس عليه في ريعان الشباب؛ ولكنه لم يتنازل عن الجلوس عليه في نهاية العمر.

إنها دعوة مجانية لأن ندرك أن اليأس ليس من شيم الرجال، وأن العلم وطلبه لا يمنعه التقدم في العمر، وأن نوقن بهذه الوصية الرائعة التي كنا نقرؤها على كراساتنا المدرسية، واختفت ضمن ما اختفى من قيم جميلة ومعانٍ رائعة: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".

لا أدري.. ربما كان الهدف من إصرار الشيخ على تحقيق هذا الإنجاز بالحصول على الدرجة العلمية التي تأخرت عنه عشرات السنين أن يثبت لنا بالصوت والصورة أن طلب الغايات الكبيرة يحتاج إلى همة كبيرة في نفس الحجم؛ فهل وصلت الرسالة؟!

1‏/8‏/2009

المنشد يحيى حوا :أسعى لتحويل النشيد إلى وسيلة للتفاؤل


يرى المنشد السوري يحيي حوَّا أن النشيد الإسلامي حقق مكاسب كبيرة خلال الفترة الأخيرة باعتباره إحدى وسائل الدعوة إلى الله والترفيه في وقت واحد ، وذلك في مواجهة الأغاني الخليعة التي بدأت في الانتشار خلال الفترة الأخيرة ، معتبرًا أن رقعة النشيد زادت بشكل كبير مؤخرًا ، مرجعًا ذلك إلى انتشار القنوات الفضائية المتخصصة في الأناشيد والتي اعتبرها أحدثت طفرة في عالم النشيد بشكل لاحظه الجميع ، كما اعتبر تأخر شهرته أمرًا ليس مقلقًا بالنسبة له ، معربًا عن سعادته بالإنشاد أمام جموع كبيرة من غير العرب ، ولفت إلى أن مستمعيه في إحدى حفلاته في " قيرغيزيا " بكوا تأثرًا بإنشاده الذي ذكَّرهم بالله – تعالى- والرسول – صلى الله عليه وسلم – رغم عدم معرفتهم باللغة العربية إطلاقًا .
وأشار حوا إلى أن نشيده " قلبي شدا" كان مدخله للتعرف على الناس ، ولا يعتبر ارتباط المنشد بأحد أناشيده عيبًا أو نقيصة . كما دعا المنشدين إلى الاهتمام باختيار كلمات أناشيدهم بعناية حتى يستطيعوا توصيل الفكرة والهدف الذي دخلوا من أجله مجال النشيد الإسلامي .

· رغم بدايتك في عالم النشيد منذ فترة إلا أن الناس لم تتعرف عليك إلا منذ عدة سنوات .. فلماذا تأخرت شهرتك ؟
**بداية أنا لم أدخل هذا المجال من أجل الحصول على الشهرة ؛ فالشهرة بالنسبة لي تحصيل حاصل ، والله تعالى أكرمني بالشهرة في وقت متأخر بالفعل ، حيث كانت بدايتي في احتراف النشيد عام 1994 م ، في حين لم يعرفني أغلب جمهوري إلا في عام 2005 م، أي أني بقيت لمدة 11 عامًا في ساحة النشيد قبل أن يتعرف الناس علي بالشكل الحالي .
ولابد أن أشير إلى أن إحدى الوسائل التي نقلتني من المحلية إلى العالمية هي القنوات الفضائية التي اهتمت بإذاعة أناشيدي وبالتحديد " قلبي شدا " ، الذي عرض على تلك القنوات بكثافة مما كان له دور كبير في نقلي إلى عدد كبير من المشاهدين .
· وهل كنت منزعجًا من تأخر شهرتك ؟
**المنشد الذي يخوض هذا المجال لمجرد تحقيق الشهرة وتعرُّف الناس عليه سوف يتأثر – بالطبع- لتأخر الشهرة ، أما بالنسبة لي فالأمر كان طبيعيًّا للغاية ، ولم أتأثر لذلك إطلاقًا ، فأنا أقدم رسالة وأسعى لتعريف أكبر عدد من الناس بها ، فإذا يسر الله وأراد أن يتعرف عليها الناس فهذا فضل من الله ، وإلا فإن المنشد يقدم ما عليه ، وسيسأله الله عمَّا قدم وليس كم شخصًا استمع إلى أناشيده .

· يعرفك جمهورك بأنك صاحب رسالة وتوجُّه ترغب في أن تنقله إلى مستمعيك .. فما الرسالة التي ترغب في توصيلها للناس ؟
**أحمل في قلبي رسالة النشيد التي تدعو إلى التفاؤل وبث الأمل وأن تكون الحياة مشرقة في واقع المسلمين ، وهذه رسالتي التي ألتزم بتحقيقها ، وأدعو جميع المنشدين إلى التحلي بها .
· هل أفهم من كلامك أن النشيد يجب أن يخرج من الشكل التقليدي الحزين الذي يحمل الشجن والأسى إلى صورة أكثر تفاؤلا ؟
** بالفعل أسعى إلى إخراج النشيد من فلك الحزن والبكاء والتباكي ، فالحياة جميلة ، والله خلقنا كي نعيش فيها ونتحدى الأحزان ، ونسعى إلى تعبيد الحياة كلها لله ، وتحويلها إلى حياة صالحة ترضي الله ورسوله ، وأذكر هنا كلمة للشيخ الداعية عائض القرني حين قال: " نريد أن نتعلم كيف تكون الحياة في سبيل الله " فنحن دائمًا نتحدث عن الموت في سبيل الله ، فلماذا لا نسعى إلى الحياة في سبيل الله تعالى وتعليم الناس ذلك ؟ علمًا بأن الحياة في سبيل الله مهمة عظيمة للغاية ، وتحقيقها له فضل كبير عند الله تعالى ، فضلاً عن أنها أصعب من الموت في سبيل الله .

· هل تشعر أنك قدمت إسهامًا ما في عالم النشيد خلال تلك الفترة التي شاركت فيها في هذا المضمار ؟
**بفضل الله .. لي بصمة خلال الأربعة عشر عامًا التي شرُفت خلالها بالعمل في هذا الميدان ؛ عن طريق نشر التفاؤل والأمل ، وأعتقد أن أهم بصمة وضعتها في عالم النشيد هي أنشودة " حياتي كلها لله " والتي تدعو إلى أن يجعل الإنسان حياته كلها لله ، وحرصت فيها على أن تكون للكبار والصغار ، ومن أجل ذلك استعنت بابن أختي لتصويرها معي تليفزيونيًّا ؛ لأن الطفل يصل إلى أقرانه الأطفال بسهولة ويسر .

· بمناسبة الحديث عن الأطفال .. ألم تجرب الإنشاد للأطفال بشكل خاص ؟
** لم أجرب تقديم نشيد خاص للأطفال ؛ لأن ذلك صعب وخطير ، ولكني قدمت أعمالاً للأطفال وغيرهم ، فالتعامل مع الأطفال يحتاج إلى استعداد من نوع خاص ، بعكس ما يعتقد البعض أن أسهل الأعمال هي التي تقدم للأطفال ، ولكني أعتبر العمل للأطفال بمثابة السهل الممتنع.

· عرفك الناس بنشيد " قلبي شدا " ومن يسمع اسمك لابد أن يتذكر هذا النشيد .. فكيف تقيِّم ارتباط المنشد بنشيد يعرفه الناس به ؟
**أرى أن الارتباط بنشيد واحد لا يمثل مشكلة ، بل هو شهادة نجاح للمنشد تعني أنه أنتج نشيدًا ما زال راسخًا في الأذهان ، وبالنسبة لي فلست قلقًا من ارتباطي بنشيد واحد. وأعتقد أن ربط المنشد بنشيد معين ليس عيبًا أو نقيصة في حقه ، فهذا النشيد بمثابة أحد أبنائه أنشده وهو مقتنع به ، فإذا بقي الارتباط به فليست هناك أي مشكلة .
· أنشدتَ في عدد من البلاد غير الإسلامية واستمعتْ إليك أعداد من غير العرب .. فكيف استقبل هؤلاء النشيد الإسلامي رغم عدم إلمامهم باللغة العربية ؟
**حين حضرت حفلات في بلاد غير عربية كنا نفاجأ بالتجاوب الكبير مع النشيد الإسلامي رغم أن معظمهم لا يفهم كلمات الأناشيد، ففي إحدى حفلاتي في " قيرغيزيا " كان نحو 90% من الحضور لا يتحدثون العربية أو يفهمونها ، ورغم ذلك كان البكاء منتشرًا بين الحضور بشكل غير طبيعي ، فسألت منظم الحفل عن سبب بكائهم رغم عدم معرفتهم بالمعنى فقال لي : بمجرد أن ذكرتَ اسم الله – تعالى- ، واسم الرسول – صلى الله عليه وسلم – تحركت مشاعرهم وانهمروا في بكاء متواصل ، فهم يأتون للتزود بشحنات إيمانية .
فالنشيد الإسلامي باب مهم من أبواب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وفي النشيد تكون تلك الدعوة إلى الله في ثوب قشيب ، وهو أيضًا باب للترفيه الحلال .

· يمر النشيد بعدد من المراحل حتى يصل إلى المتلقي .. فما أصعب مراحل النشيد ؟
**الكلمة واختيارها هي المرحلة الأصعب في إنتاج النشيد الإسلامي ، وأنا شخصيًّا أختار كلماتي بعناية ، وأكون واضعًا عددًا من الأفكار في ذهني ، وأختار الكلمات التي تلبي هذه الأفكار وتعبر عنها بشكل صادق .
وفي بعض الأحيان أختار كلمات لم تكن قد طرأت أفكارها في ذهني ، ومباشرة أعرضها على الشاعر سليم عبد القادر الذي أعتبره بمثابة المرجعية الشعرية لي ، والذي أستشيره في كل ما يتعلق بالأناشيد التي أعتزم تقديمها ، ومن هنا أدعو المنشدين إلى أن يكون لكل منهم مرجع شعري وفني ، وبصراحة يعاني بعض المنشدين من أزمة في اختيار كلمات جيدة ينشدونها ، في حين لا يعاني البعض الآخر- وأنا منهم – من اختيار كلمات مناسبة للنشيد تكون معبرة عن المعاني التي يرغبون في تقديمها للجمهور . مع العلم بأن الكلمة التي تصلح للنشيد قليلة للغاية ، فليس كل شعر يصلح أن يُنشد ، فالكلمة الإنشادية لابد أن تكون سهلة النطق عميقة المعنى حتى تترسخ في أذهان المستمعين ، وتبقى في وجدانهم .

· وكيف ترى توجه بعض المنشدين إلى التخصص في أداء النشيد .. بمعنى اتجاه البعض إلى إنشاد المعاني الإيمانية ، في حين يتجه آخرون إلى الحماسيات وهكذا ؟
**أرى أن ذلك الاتجاه له سلبيات وإيجابيات ؛ إلا أن إيجابياته أكثر ، فأن يتخصص المنشد في أداء نوع معين من الإنشاد ويؤدي فيه بشكل متميز أفضل بشرط أن يكون ملمًّا بباقي ألوان النشيد ويعرف كيف يقدمها . وأعتقد أن التخصص مطلوب في النشيد ويتيح للمنشد الفرصة في الإتقان وإبراز كل مواهبه في أداء النشيد وتوصيله للناس بشكل مناسب مؤدٍ للدور المطلوب منه . وأنا شخصيًّا أعتقد أني أتخصص في النشيد الفكري الدعوي ، وأجد نفسي فيه .

· بعض الأناشيد يشعر المتلقي أن وراءها فكرًا وهدفًا في حين ينعدم ذلك في بعضها الآخر .. فلماذا يغيب الهدف عن أذهان بعض المنشدين ؟
**أعتقد أن ثقافة المنشد هي العامل المهم في اختياره لكلماته ، ولا أنكر أيضًا أن ذلك يعود إلى عدة عوامل أخرى منها مكان إقامته وأسلوبه في الحياة ، ومدى اعتباره للنشيد رسالة وفكرة وليس مجرد عمل يتكسب منه ماليًّا .

· القنوات الفضائية الإنشادية بعثت حيوية كبيرة في مجال النشيد الإسلامي .. كيف تقيِّم دور هذه القنوات في إثراء النشيد الإسلامي ؟
**القنوات الفضائية الإنشادية قفزت بالنشيد الإسلامي خطوات جيدة ، ونقلته إلى مربع جديد قريب من قلوب الناس وأسماعهم ، ولكني أرى أنه ما زال أمامها الكثير في عرض الأناشيد بأشكالها المختلفة وعدم الاقتصار على قوالب معينة ، بالإضافة إلى دورها المنتظر في تحقيق الانطلاق للنشيد الإسلامي إلى العالمية ، وإذا كانت قناتان أو ثلاث أثرت بهذا الشكل في نشر النشيد الإسلامي فكيف سيكون الحال إذا زادت هذه القنوات وأصبحت مقاربة للقنوات التي تذيع وتنتج الأغاني ؟ وأعتقد أن انتشار هذه القنوات توافق مع زيادة رقعة الالتزام والتدين في أنحاء العالم الإسلامي مما أسهم في انتشارها وتزايد الإقبال عليها ।

· هل توافقني إذًا في أن رقعة النشيد الإسلامي قد زادت وتزايدت أعداد المعجبين به والمؤمنين بدوره ؟
**بالطبع ، وهذا الانتشار واضح تمامًا - بفضل الله - في الفترة الأخيرة ، حيث بدأت أعداد المستمعين للنشيد تتزايد بشكل كبير للغاية ، ويكفي للتدليل على ذلك أنه فيما مضى كنا نقف في حفل الإنشاد لنلقي أناشيدنا أمام ألفين أو ثلاثة آلاف مشاهد على الأكثر وكان المنشد وقتئذ في منتهى السعادة لحضور هذا العدد الكبير للاستماع إليه ؛ أما الآن فحضور حفلات الأناشيد يقدر بعشرات الألوف ، فآخر حفل لي في بريطانيا حضره 50 ألف شخص ،وقبله في الجزائر كان عدد الحضور 25 ألفًًا في استاد رياضي ، وهذا تطور كبير خاصة إذا دققت في نوعية الحضور ، حيث بدأ يحضر الحفلات شباب من المتدينين ومن غيرهم ، وهذا نجاح للنشيد الإسلامي في أن يصل إلى فئات ليست على قدر من الالتزام وتحرص – رغم ذلك – على الاستماع للنشيد الإسلامي .

· هناك ملاحظة غريبة ظهرت في الآونة الأخيرة وهي ازدياد إنتاج والإقبال على أغاني الفيديو كليب في نفس الوقت الذي تنتشر فيه الأناشيد الإسلامية .. فكيف تفسر هذه الظاهرة ؟
**هذه الظاهرة ليست جديدة ، بل هي انعكاس عادي لظاهرة التدافع بين الحق والباطل ، تلك السنة الكونية التي أقرها الله في الأرض منذ القدم ، ولكني أعتقد أن النشيد الإسلامي يقف في المواجهة بشكل جاد وينافس تلك الأغاني المنحلة ويكسب منها أرضًا يومًا بعد يوم .

إلى الزكي الطيب... إلى النبي


جبال شاهقة وسهول ووديان ومرتفعات تلك التي تفصل بين مكة والمدينة ॥ لم تكن الرحلة بسيطة بالنسبة لنا رغم الأتوبيس المكيف الذي نستقله ؛ فما بالك بالرحلة التي قطعها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الصديق ।
بالفعل لا يعرف حجم الجهد والعناء الذي بذله النبي الكريم وصحبه في تبليغ هذه الرسالة إلى شعاب الأرض إلا من زار هذه الديار وتعرف على دروبها الشاقة .
وأنا في طريقي إليه كانت الرهبة تسيطر علىّ تمامًا من تصوري للوقوف بين يديه بعد قليل ، فماذا سأقول لرسول الله ؟
ماذا أقول لرسول الله ؟ سؤال ظل يتردد في خاطري منذ أن بدأت في المسير نحو النبي الكريم ..
هل سأحدثه عن المعاصي التي أرتكبها ليل نهار ؟
هل سأخبره بتفريطي في حق الله وتقصيري في تطبيق سنته المشرفة ؟
هل سأنبئه بعدم التعرف على سيرته أو تطبيق ما استفدته منها ؟
وماذا سأفعل لو سألني رسول الله عن الدين .. ماذا حدث له ؟
وكيف سأتصرف إذا طالبني بالكشف عن أسباب التخلف الذي نعيش فيه وحالة الاستكانة المميتة التي نحياها منذ قرون طويلة ؟
كيف سأرد إذا سئلت عن سنة النبي وهدْيه ؟
ما الحل إذا أعطاني رسول الله مهلة لأحدثه عن أحوال شبابنا ونسائنا وأطفالنا الذين أصبح أهم اهتماماتهم الشات والبلوتوث ؟
وأين سأذهب من الصدّيق إن سألني عن عمري الذي ضاع من دون أن أقدم شيئًا لهذا الدين ؟
وكيف سأفلت إذا أمسك الفاروق بتلابيبي زاجرًا إياي بسبب حالة الموات التي نعيش فيها منذ أن ولدنا إلى أن نموت؟
خشيت من رسول الله لأني ضعيف مقصر لم أقم بما أمرنا به .
أحسست بالرهبة ؛ وكان الأوْلى أن يكون الشوق فقط هو المسيطر على مشاعري في تلك اللحظات التي كنت فيها على مشارف مدينة رسول الله .
ولكنى سأقول لرسول الله ، وقلبي يمتلئ بالخجل ، عذرًا حبيب الله لأنا أضعنا الدين والدنيا ..
وسأسأله : هل ستشفع لنا رغم هذه الأوزار المتراكمة التي نحملها ؟
أعتقد أن عفو الله وكرم رسول الله أكبر من أن يقفا عند حدود معاصينا وشهواتنا وعجزنا .
إلى رحاب الطيب
على أبواب المدينة تذكرت ذلك الحب الذي كان يربط بين قلوب أصحاب النبي الكريم ؛ وهذا الإخلاص الذي أدى إلى إنشاء الأعراب دولة في قلب الصحراء طبقت شهرتها وسيطرتها الآفاق . ولم يكن لها أن تقوم إلا بين أناس جيّش الحب جيوشهم ، ونظّم الإيمان صفوفهم .
وأعتقد أنه من المؤكد أن مجدنا لن يعود إلينا إلا إذا أعدنا الحب إلى مقدمة الصفوف .
يقينًا .. إذا ذكرت المدينة تذكرت الهجرة والمشقة التي تكبدها المسلمون خلالها .
إذا دخلت المدينة طالعك مسجد قباء ، ورائحة المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين ، وتذكرت على الفور عفة نفس عبد الرحمن بن عوف حين رفض أن يأخذ من أخيه شيئًا ، ولا تستطيع نسيان كرم أبى أيوب الأنصاري ، وتبليغ أول سفير للإسلام الدعوة إلى أهل يثرب وترحيبهم به وبنبيه المصطفى الكريم .
وإذا دنوت من تلك الديار ستجد نواة الدولة التي شيدها النبي ، ومركز إيفاد السرايا والغزوات .
هنا كانت ترسم الخطط وتجيّش الجيوش ، في نفس الوقت الذي كانت وشائج الحب والإخاء تزداد عراها يومًا بعد يوم ..
إذن .. لبيك رسول الله
موعد مع النبي
وتحت القبة الخضراء السامقة الزاهية وقفت أتأمل الروعة والبهاء والحسن والجمال .. وفى نفس اللحظة التي استشرفت فيها عبق المشهد النبوي؛ طالعت روعة الحب ودموع الندم ولهيب الشوق وصحوة الإيمان.
وبعد أن استمعت إلى الشيخ على بن عبد الرحمن الحذيفى ، الذي طالما أنصتّ إلى صوته الشجي القوى منذ الطفولة ، واصطففت في الصلاة خلفه إلى جوار آلاف الموحدين ، الذين تراصّوا في صفوف نحسب أنها في نفس المكان الذي وقف فيه أصحاب النبي خلفه في صلواتهم ، فلربما وقف أحدنا مكان قدم عثمان أو بجوار المكان الذي كان يقف فيه بن رباح ، أو الذي كان يفضله بن مسعود ، أو الذي كان يأوي إليه عمار بن ياسر .
وبعد الصلاة كنت على موعد مع النبي الكريم في روضته الشريفة ، ذلك المكان الذي تشرّف بحمل جثمان النبي وصحبيه الكريمين رضي الله عنهما .
استجمعت شجاعتي ودخلت إلى حيث يأوي رسول الله ، خير البشر ، وأطهر الخلق ..
يا إلهي .. أأنا الآن أقف أمام قبر من خرت له الملوك والأمراء ، وتجمع حوله الفقراء والأغنياء ، وتبعه السادة والعبيد ؟ ولا أخفى أنه رغم الفرحة التي كنت أشعر بها إلا أنني كنت أخشى من ألا أكون ذلك الشخص الذي يستحق أن يقف أمام ذاك النبي الكريم ..
وكانت الفرصة سانحة لأن أصلى في الروضة ركعتين " بين قبري ومنبرى روضة من رياض الجنة " ، نعم .. صليت إلى جوار قبر النبي مباشرة ، طلبت منه الشفاعة لي وللمسلمين ، ورجوته أن يتقبل سلامنا وتحياتنا ، وألا يحول التقصير دون القبول .
إنها لحظات بديعة من النقاء الروحي والصفاء النفسي الذي لا يُتوقع أن أعتي أصحاب القلوب قسوة ورعونة يمكنه أن يمنع عبراته من الانسكاب فيها ، أو أن يحجب مشاعره عن أن تفيض معترفة بالشوق والوجد إلى حبيب الله .
والسؤال الذي طرحته على نفسي قبل الانصراف من عند النبي .. ترى .. هل نعود إلى الحياة من جديد بعد زيارة النبي ؟ وهل تفجر فينا تلك الجولة النورانية الخاطفة روحًا جديدة يملؤها الإيمان واليقين ؟
وهل تتحول تلك المشاعر إلى بوصلة توجه مساراتنا وتضبطها إلى حيث يرضى الله ورسوله ؟
سلامًا يا رسول الله من أحد الملايين التي تدرك أنك أفضل الخلق إلا أنها كانت تنتظر زيارتك لتبثك أشواقها ، وتحية لك يا خير خلق الله من قلب طالما رني إلى طيفك الرائع ؛ متمنيًا أن يسعده الله بأن يراك في الدنيا قبل الآخرة .