١٤‏/٤‏/٢٠١٥

المنشد سعد الطلحة : أنشدت باللغة الصينية وأدعو المنشدين للأداء بكافة لغات العالم

*     
النشيد أحد أهم وسائل الدعوة إلى الله
*لا تناقض بين النشيد والدعوة ، فالنشيد رسالة دعوية وأحد قوالبها
* يمكن للنشيد أن يقوم بدور مهم في نشر الدين، وتوصيله للعالم  
* أناشيد الأطفال أصعب أنواع النشيد وأهمها ، وأجد متعة في تقديم إعمال للطفل
 
يدعو المنشد سعد بن عبد الله الطلحة إلى تبني استراتيجية محددة الأهداف لاستثمار النشيد الإسلامي في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ، وذلك عبر طرح مجموعة كبيرة من الأناشيد باللغات المختلفة ، الأمر الذي يستلزم – كما يقول – تكاتفًا بين المنشدين والإعلام وشركات الإنتاج الفني لإنتاج تلك الأناشيد بشكل احترافي جذاب ، كما يرى أن النشيد الإسلامي تمكن من الخروج من دائرة التوجه للمتدينين وحدهم ، ووصل إلى شرائح مختلفة بفضل التطوير في النشيد وعدم تكرار معانيه في الوقت الذي أفلست فيه الأغاني الأخرى ، وأصبحت تلجأ للعري والتبذل الذي ترفضه قطاعات كبيرة من الجمهور .
ويرى المعيد بكلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية- في الحوار الذي أجريناه معه – أن النشيد مؤهل للقيام بدور فاعل في حل المشكلات التي تعترض المجتمعات الإسلامية ، لافتا إلى عدم التناقض بين عمله في تدريس الدعوة واحترافه للإنشاد معتبرًا أن النشيد أحد أهم وسائل الدعوة إلى الله ، كما يؤكد متعته في الإنشاد للأطفال لافتًا إلى أنه من أصعب فنون الإنشاد وأكثرها حاجة إلى المنشد المتميز .
·       بداية .. ألا ترى أن هناك تناقضًا بين عملك معيدًا بكلية تختص بالدعوة واحترافك للنشيد ؟
**لا أرى هذا التناقض إطلاقًا ، بل إن هناك  تكاملا بينهما. فالنشيد في ذاته رسالة دعوية وأحد قوالب الدعوة ؛ فهو يحمل الكلمة الهادفة والمعنى الصادق ، ويدعو إلى الإصلاح والسلام والمحبة والترابط بين المسلمين، كما أنه يذكرهم دائما بحقوق الله عليهم وحقوق بعضهم على بعض ، والنشيد أحد وسائل ترقيق القلوب وقيادتها إلى الله تعالى فضلا على أنه أحد وسائل التعريف بالإسلام والدعوة إليه .

·       وهل ترى أنه يتم استثمار النشيد في تحقيق هذه المعاني السامية بالفعل؟ أم أن ذلك يبقى مرتهنًا بسلوك المنشد ذاته واختيار كلماته ؟
**ليس ضروريًّا أن تتركز كل الأناشيد في المجال الدعوي، وأشبها بالماء الذي يصنع منه العصير والشاي ونستخدمه في شؤون أخرى.  فالنشيد يتفرع إلى عدد من الأنواع ؛ فهناك الدعوي والحماسي والاجتماعي والتربوي والتعليمي. وكل نوع له فائدته .
وسيلة جذابة
·       وكيف نتمكن من توظيف النشيد كوسيلة دعوية جادة ؟ وهل يمكن أن يصبح النشيد باعتباره وسيلة جذابة بديلا عن الكلمات الوعظية التي لا يقبل الكثيرون على سماعها؟
**يمكن أن نوظف النشيد في الدعوة عن طريق اختيار الكلمات بعناية ، وطرح الموضوعات المهمة ، ومحاولة توضيح الصورة الحقيقية للإسلام ، وإظهار محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعوة غير المسلمين للإسلام ، وتعليم شرائع الدين للمسلمين ، والتأكيد على المعاني السامية التي يحتويها الدين والتي يمكن أن تصبح سببا في إيقاظ الغافلين من المسلمين وجذب غير المسلمين لاعتناق ديننا .
ولكني لا أوافقك القول بأن يكون النشيد بديلا للوعظ ، فالخطابة وسيلة عربية قديمة للتأثير في الناس ، وفي إسلامنا هناك خطب الجمعة والعيدين ، وتبقى الخطابة والوعظ محتفظة بدور فعال في الدعوة والإصلاح . ولا يتناقض ذلك مع الدور الذي يمكن للنشيد أن يقوم به إلى جوار الخطابة وليس بديلا عنها .

·       ألمح من كلامك تأكيدًا على أهمية النشيد في أن يكون وسيلة فعالة لدعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام .. فكيف يتحقق ذلك؟ وهل قمت بخطوات جادة في هذا المجال ؟
** يمكن للنشيد أن يقوم بدور مهم في نشر الدين، وتوصيله إلى الذين لم يضيء نور الإسلام قلوبهم بعد . عن طريق توضيح طبيعة الإسلام وسماحته وعظمة شريعته بلغات العالم كلها ، وهذا ما بدأ عدد من المنشدين في القيام به مؤخرًا ؛ حيث يطلقون أناشيد بلغات مختلفة موجهة إلى الذين يرغبون في التعرف على الإسلام والإحاطة به ، كما أن هناك منشدين كثيرين ينظمون حفلات في بلاد غير إسلامية .وأعتقد أن ذلك يعد وسيلة متميزة للدعوة للدين ، ويجب أن تحظى برعاية المؤسسات الدعوية التي تستهدف نشر الإسلام في شتى ربوع الأرض .
وأنتهز الفرصة لأدعو إلى تبني إستراتيجية واضحة لتوظيف النشيد في هذا المجال . لأن الأذن دائما تميل إلى النشيد وتستقبل كلماته باستعداد كبير للاستجابة والتأثر ، وأدعو الشعراء إلى التعمق في كتابة الكلمات التي تدعو غير المسلمين إلى الدين بطريقة محببة وغير مباشرة أو وعظية ، كما أدعو المنشدين ألا يتوانوا في أداء هذه الأناشيد  لتكون أصواتهم سفيرًا لنشر الإسلام ، ولا يخلو الأمر بالطبع من ضرورة قيام مؤسسات فنية قوية بدعم هذا المشروع وتبنيه حتى يكتب له النجاح . وأود أن أشير في هذا الإطار إلى أنني بدأت في نهج هذا الطريق حيث قمت أداء نشيد باللغة الصينية وانتشرت عبر الكثير من المواقع والمنتديات على شبكة الإنترنت . ومن ناحيتي فقد تحدثت مع مجموعة من طلاب المنح الذين يدرسون بجامعة الإمام محمد بن سعود ويتحدثون اللغات الهندية والسواحلية وغيرهما ، وطرحت عليهم  هذه الفكرة ليكتب من يستطيع منهم أناشيد بلغات بلادهم تساهم في نشر الإسلام وتوصيله إلى الآخرين ، وتكون رسلا معاصرة للإسلام . ووجدت  الفكرة لديهم قبولا جيدًا .

حبات القلوب
·       دعنا ننتقل إلى شريحة مهمة من متلقي النشيد ، وأعني الأطفال ، فهل جربت أن تنشد لهم ؟ وهل ترى أن هناك تقصيرًا من جانب المنشدين في الأعمال الفنية الهادفة التي تقدم للأطفال ؟
**لي تجارب متميزة – بفضل الله – في هذا المجال ، ورغم أنه من أصعب أنواع النشيد ، إلا أنني أشعر بأنه من أهم أنواعه ، باعتبار أنه من أقوى المؤثرات في تشكيل عقل الطفل ووجدانه ، وتهذيب سلوكه وبناء أخلاقه . وكما وصلت إلى الكبار ؛ حرصت على أن أصل إلى قلوب الصغار ، وقدمت تجارب كثيرة لهم ، حاولت أن تتنوع أشكالها ، رغم أن الطفل له أناشيد محددة ، ولأناشيده مقامات خاصة مثل مقام العجم .
وهناك بالطبع تقصيرمن جانب المنشدين في حق الأطفال ؛ وحتى إذا قام أحد المنشدين بتقديم نشيد للأطفال يُنظر له شذرًا باعتباره أفلس عن تقديم ما يهتم به الكبار فلجأ إلى عالم الأطفال ! ولكن الواقع يؤكد أن المنشد المتميز هو الذي يملك زمام فنون النشيد ومهاراته . وبصراحة أجد متعة خاصة خلال إنشادي للأطفال.

·       تقوم بكتابة كلمات معظم أناشيدك بنفسك ..فهل ترى أنه من الأفضل أن يقدم المنشد ما سطرته يداه وأنتجته قريحته ؟
**كتبت ما يقرب من 90% من كلمات الأناشيد التي قدمتها ، ورغم أني لم أولد شاعرًا إلا أنني طورت من إمكاناتي فأصبحت أعبر بشكل جيد عن مشاعري ، لأني أعتقد أن المنشد الذي يكتب لنفسه أكثر قدرة على التعبير عن ذاته من الذي يؤدي كلمات الآخرين .
ولا ينفي ذلك بالطبع أن المنشد في حاجة دائمة إلى الاستفادة بإبداعات الشعراء الذين تزخر بهم ساحة النشيد ، والتغني بكلماتهم الرقيقة والقوية والمعبرة . وأُفضل اللجوء – أيضًا – إلى الشعراء إذا خشيت من تكرار المعاني في أكثر من نشيد .

·       لا يجد بعض المنشدين حرجًا في إطلاق لفظ "الأغنية"على النشيد .. في حين يرى فريق آخر أن هناك فروقًا جوهرية بينهما وأنه من التساهل إطلاق اسم الأغنية على النشيد ، فإلى أي الفريقين تنحاز ؟ وما رأيك في استخدام الموسيقى أو المحسنات الصوتية إلى جوار النشيد ؟
**لابد أن تبقى الأغنية أغنية والنشيد نشيدًا ، فالنشيد تسمعه فئة أوسع من تلك التي تسمع الأغنية ، كما أن موضوعات الأناشيد أشمل من موضوعات الأغاني ، ويبرز هذا الفرق في نفس الوقت الذي يعتبر فيه النشيد أغنية من ناحية الالتزام بالسلم الموسيقي والمقامات ، فهو طرب في الأساس ولكنه بعيد عن الموسيقى والآلات ، فأنا أرفض أن نطلق على النشيد أغنية ، كما أني ضد استخدام الآلات الموسيقية لمصاحبة النشيد ، فإذا استخدمت الآلات مع النشيد خرج من إطار النشيد إلى اعتباره أغنية .أما المحسنات الصوتية التي تستخدم لتحسين صوت المنشد في بعض المواضع أو تخفيضه في مواضع أخرى وعلاج العيوب التي قد تعتريه فلا شك أنه لا مشكلة في استخدامها بشرط عدم المبالغة في فلترة الصوت .

الصدق بوابة التأثير
·       الصدق هو بوابة عبور أي إبداع أو إنتاج فني إلى المتلقي .. فإلى أي مدي لابد أن يتوافر الصدق في المنشد وإحساسه بما يؤدي ؟ وهل يؤثر صدق المنشد في التأثير على تلقي الجمهور لما يقول ؟
**يعتبر الصدق هو العامل الأهم في استيعاب المتلقين للنشيد الإسلامي ؛ لأنه يحمل دائمًا في طياته إحساسًا ورسالة يود المنشد أن يوصلها إلى الآخرين . والصدق الأهم الذي يجب أن يتوافر لدى المنشد هو الصدق مع الله تعالى ، ويرتبط ذلك بالنية والهدف الذي يسعى المنشد إلى تحقيقه من وراء النشيد ، وهل الشهرة وزيادة الربح وحدهما اللذان يدفعانه إلى الإنشاد أم أن الرغبة في تبليغ كلمة الحق والمساهمة في تكريس المنظومة الأخلاقية هي دوافعه إلى السير في هذا الطريق .
ويأتي بعد ذلك الصدق مع النفس ، واقتناع المنشد بما يقول ، لأن غير الصادق مع نفسه يستحيل أن تصل كلماته أو فنه إلى غيره ، وفي النهاية تأتي أهمية الصدق مع الناس ، وعدم تغييب وعيهم بكلمات لا فائدة منها أو تهبط بالذوق العام ولا تلبي تطلعات الجمهور الذي ينظر للنشيد الإسلامي باعتباره رسالة سامية تسعي إلى نشر الخير والفضيلة .
ومن ناحيتي أعتز كثيرًا بالمكالمات الهاتفية التي أتلقاها ، والتي يبشرني أصحابها بأن أناشيدي كانت سببًا في هداية أبنائهم أوذويهم أو التغيير من سلوكياتهم إلى الأفضل ، فكم من أمهات اتصلن بي يؤكدن – مثلا – أن كلمات نشيدي " القلب يحزن " ساهمت في ترقيق قلوب أبنائهن القاسية . وهذه قمة النجاح للمنشد ، أن يكون صادقًا في أداء رسالته ، وأن يجد صدى لهذا لصدق لدى الجمهور .

·       ولكن لماذا لا نلمس دورًا واضحًا للنشيد الإسلامي في المساهمة في حل المشكلات التي يتعرض لها المجتمع ، رغم أهمية دوره في هذا المجال ؟
**للأسف فإن عددًا كبيرًا من المنشدين يرى أن التفاعل مع القضايا التي يتعرض لها المجتمع غير مجد أو يعتبر نوعًا من الإفلاس الفني للمنشد ، بعكس ما أرى تمامًا ، فالنشيد مؤهل لتبوء مكانة متميزة بين وسائل إصلاح المجتمعات وحل مشكلاتها ، لما له من تأثير مباشر على القلوب والعقول . وأنا شخصيًّا شاركت في العديد من الحملات التي نظمتها وزارتي الزراعة والصحة السعوديتين وغيرهما ، والمحزن أن وسائل الإعلام تساهم من حيث لا تدري في تكريس هذه النظرة ، وعزوف المنشدين عن التفاعل مع قضايا مجتمعاتهم ومشكلاته ، بسبب تجاهلها الشديد للأناشيد التي يتم تقديمها في هذا الإطار . واكتفائها بالاهتمام بالأغاني التي لا تدعو إلى قيمة أو خلق .


التوسع والاحتراف
·       توجه النشيد الإسلامي في مراحله الأولى إلى مخاطبة المتدينين وحدهم .. فهل تمكن من الخروج من هذه الدائرة ليخاطب باقي شرائح المجتمع ؟
**بالتأكيد ؛ ولو شاهدت حفلا من حفلات النشيد الإسلامي التي يتم تقديمها حاليًا لتيقنت من ذلك ، حيث تحضرها أعداد غير قليلة من غير المتدينين . فالنشيد أصبح رسالة تصل إلى القلوب وتغذيها روحانيا وإيمانيا بعد أن زاد الوعي لدى الناس بالحلال والحرام ، وبعد أن زاد ضجرهم من الانحلال الذي يقدم باسم الفن على القنوات الفضائية ليل نهار ، فأصبح اللجوء إلى الاستماع للنشيد الراقي هو المنفد الوحيد لمن يعشق الكلمة الجيدة واللحن الراقي حتى لو لم يكن متدينًا .
ومما ساهم في انتشار النشيد بين قطاعات أوسع هو حالة الملل التي أصابت الجمهور من تكرار موضوعات الأغاني والتي لا تخرج عن الحب والهجر والعذاب ، وهي موضوعات مستهلكة ولا تلبي احتياجات الناس على كافة مستويات تدينهم وأخلاقهم في الوقت الذي تتجدد فيه موضوعات الأناشيد ؛ فمن الصعب أن تجد تكرارا فيها ، فلكل منشد أسلوبه ورسالته .

·       وهل وصل النشيد إلى مرحلة الاحتراف أم أنه لم يبارح مرحلة الهواية بعد ؟
**أعتقد أن النشيد الإسلامي وصل إلى مرحلة الاحترافية مؤخرًا . فأصبح هناك احتراف في فنون النشيد . وأهمها على الإطلاق احتراف الهدف ! بمعنى أن الهدف من النشيد أصبح مترسخًا في وجدان المتعاملين في ساحة النشيد ، وهو الأمر الذي يميز النشيد عن غيره . كما أصبح هناك احتراف في اختيار الكلمات ، واستخدام التقنيات الحديثة في إخراج النشيد فنيًّا ، فضلا عن طرق التواصل مع الجمهور على المسرح ، كما أصبح المنشدون – مع التفاوت بينهم – محترفون في طريقة الأداء ، والتعامل مع الإعلام ، وكذلك في مد جسور العلاقة مع الجماهير عبر مواقع الإنترنت الشخصية للمنشدين والعامة التي تتناول كافة فنون النشيد ووسائله ، كما بدأت مهرجانات النشيد في تكريس هذه الاحترافية والتأكيد عليها .
اقرأ الحوار على رابط مجلة الوعي الشبابي على الإنترنت ، المنشور بتاريخ 13 إبريل 
http://alwaeialshababy.com/ar/index.php/interviews/5713-2015-04-13-06-45-03
2015

٢٦‏/٣‏/٢٠١٥

عبد الله بانعمة .. الدعوة إلى الله بالإعاقة !



داعية حول محنته إلى منحة ، ويتمنى أن يسجد أثناء الصلاة!
لم يولد هكذا ولكنه عاش لمدة تسعة عشر عامًا بشكل طبيعي ، إلى أن تعرض بانعمة لحادث غير مجرى حياته وكان بمثابة الجسر الذي عبر به إلى حياة أخرى ، وفتح به صفحات جديدة ناصعة
هو نموذج متميز للشاب الذي أعادته الإعاقة إلى صوابه ، ليصبح قدوة لأقرانه من الشباب ، وموعظة عملية يتعظ بها الذين ما زالت قلوبهم تنبض بالخير وترنو إلى السير في طريق العابدين
يجوب المساجد والمخيمات الصيفية والتجمعات الشبابية والسجون داعيًا إلى الاتعاظ بالتجربة التي مر بها ،  وله مشروع واضح يتمثل في ضرورة استفادة الإنسان من النعم التي منحها الله له


هو شاب لا يختلف كثيرًا عني وعنك ، نفس الشكل والأعضاء والملابس .. إلا أن شيئًا واحدًا ينقصه ؛ إنها الحركة ، حيث يعاني من شلل كامل لا يستطيع معه أن يحرك أيًّا من أجزاء جسده سوى وجهه .. لم يولد هكذا ولكنه عاش لمدة تسعة عشر عامًا بشكل طبيعي ، وكان يمارس حياته بنفس الطقوس التي يمارسها بها عدد منا .. الأغاني والأصدقاء والخروج إلى الاستراحات والمسابح ، بل إنه كان يمارس رياضة الجمباز ورفع الأثقال والكاراتيه. لم يتخيل يومًا من الأيام أن تختفي تلك الحياة النشطة التي يعيشها أو أن وتيرتها السريعة يمكن أن تختلف . لم يكن يأبه كثيرًا بالعلاقة الطيبة التي يجب أن تربطه بوالديه ، أو بالاتصال الدائم بالله عز وجل من خلال الصلوات والمحافظة على فرائض الإسلام وسننه .
إلى هنا ليس هناك ما يثير .. إلا أن ما تعرض له الشاب عبد الله بانعمة – الذي يعرفه عدد كبير منا ، ولا يعرفه عدد كبير أيضًا – غير مجرى حياته ونقله بشكل كامل إلى رحاب الله ورياض الصالحين المتقين . لم يكن الحادث الذي تعرض له عبد الله بانعمة منذ ثمانية عشر عامًا إلا بمثابة الجسر الذي عبر به إلى حياة أخرى ، وفتح به صفحات جديدة ناصعة في مسيرته طاويًا صفحة اللهو والعبث الذي كان لا يفارقهما ليلا أو نهارًا . ليصبح الآن داعية يصطف الناس ليسمعوا حديثه المؤثر ، وسرعان ما تجد أن دموعهم انهمرت من فرط التأثر بتجربته وأمنياته التي لا يستطيع تحقيقها .
تجربة مثيرة
حين اختاره الله تعالى لهذا الامتحان لم يكن بانعمة يدرك أنه سيكون مفتاحًا لتوبة أعداد من الشباب الذين ألهتهم متع الحياة وانزلقوا في شهواتها بعيدًا عن طريق الخير والحق إلى أن استقروا بين يدي هذا الشاب الذي يندر أن يسمعه أحد ولا تسيل دموعه على خديه مهما بلغت قسوة قلبه أو بعدت مستقرات دموعه .
التقيت بانعمة متحدثًا في إحدى الندوات ، ووجدت شابًّا لا يصعب أن ترى مثله من حيث حجم الإعاقة إلا أنه من النادر أن تصادف من مر بتجربته أوعانى كمعاناته أو استفاد من إعاقته كتلك الاستفادة التي حققها .

هو نموذج متميز للشاب الذي أعادته الإعاقة إلى صوابه ، ونقلته من مربع إلى مربع آخر تمامًا ليصبح قدوة لأقرانه من الشباب ، وموعظة عملية يتعظ بها الذين ما زالت قلوبهم تبض بالخير وترنو إلى السير في طريق العابدين .
يجوب المساجد والمخيمات الصيفية والتجمعات الشبابية والسجون داعيًا إلى الاتعاظ بالتجربة التي مر بها ، والأزمة التي تعرض لها ، وله مشروع واضح يتمثل في ضرورة استفادة الإنسان من النعم التي منحها الله له ، وعدم تضييعها في اقتراف المعاصي والذنوب . مذكرًا بأن السمع والبصر والعقل والحركة كلها نعم تستوجب من الشباب استثمارها بشكل صحيح تطبيقًا لمراد الله تعالى منها . إضافة إلى ذلك يشير إلى أن هناك نعمًا خفية لا يدركها الإنسان إلا حينما تضيع من يديه ويصبح التمتع بها من ضروب المستحيل . ضاربًا مثالاً على ذلك بنعمة السجود التي لا يدرك أهميتها من يقومون بها بشكل تلقائي دون التفكر فيها ، أو هؤلاء الذين حرموا أنفسهم من التمتع بهذه اللذة الرائعة . ويلفت بانعمة إلى أنه منذ أن أصيب بالشلل الكامل يتمنى السجود في الصلاة كما يفعل الجميع إلا أنه لا يستطيع ، مُذكرًا الذي يرفض السجود أو يتكاسل عنه رغم تمتعه بالقدرة على ذلك بأنه يحرم نفسه من خير كثير لا يشعر به . محذرًا من أن استغلال الشباب لنعم الله في معاصيه قد يكون سببًا في حرمانهم من هذه النعم إلى الأبد ، وحينئذ لن يكون للندم مكان أو مناسبة .
ويشير إلى الزيارة التي قام بها إلى أحد السجون حين فاجأ القابعين داخله بقوله : أنا مسجون مثلكم ، ولكن سجنكم مؤقت وسجني دائم .. ولم يدرك هؤلاء الدرس الذي يريد توصيله لهم إلا حين أوضح مقصده بأن سجنهم عبارة عن جدران يمكن أن يخرجوا منها بعد فترة من الزمن ، إلا أنه مسجون داخل نفسه ، وهو سجن لا يستطيع أن يغادره إطلاقًا . داعيًا إياهم إلى عدم سماحهم للشهوات أن تضيف إلى سجنهم سجنًا آخر ، وأن تكون تجربتهم دافعًا لهم إلى الخروج إلى الحياة بروح وثابة جديدة لتعويض الفترة التي غابوا فيها خلف الجدران .
ويضيف الداعية الشاب عبد الله بانعمة : إن الشباب اليوم في حاجة إلى استلهام القدوة من سيرة الصحابة الكرام الذين رافقوا النبي – صلى الله عليه وسلم - خلال رحلته في نشر دعوة الله تعالى وواصلوا المسيرة من بعده في السعي إلى نشر الخير الذي جاء به الإسلام إلى سائر أنحاء الكون ، مؤكدًا أن الأهداف العظيمة التي كان ينظر إليها هؤلاء الصحابة كانت السر في الهمة العالية التي تمتعوا بها . وطالب الشباب بأن يقارنوا أهدافهم بأهداف الصحابة ليكتشف عدد كبير من الشباب أن أهدافهم لا ترقى إلى المستوى الذي تفرضه مهمتهم في الأرض وانتسابهم إلى هذه الأمة الرائدة ، فضلاً عن أن بعض الشباب لا أهداف لهم أصلاً . 

سطور المعاناة

وإذا أردنا أن نطالع بعض سطور حياة هذا الشاب – التي لا يخجل من ذكرها بل يحرص على ذلك حتى تكون دروسًا يعتبر منها أقرانه – فسوف نجد أن إصابته كانت في أعقاب مشادة حامية بينه وبين والده الذي ضبطه يدخن ، إلا أن عبد الله نفى له ذلك مؤكدًا أنه لم يقرب التدخين قط . وحينئذ دعا الأب على ابنه قائلاً " الله يقطم رقبتك " ، وكأن أبواب السماء كانت مشرعة ليُستجاب لهذه الدعوة بعدها بفترة قصيرة حين كان في أحد المسابح مع أصدقائه فسقط في المسبح من ارتفاع كبير ليستقر في المياه لمدة 15 دقيقة دون أن يدرك أقرانه أنه أصيب بالشلل الكامل ولا يستطيع الحركة أو الدفع بنفسه بعيدًا عن المياه التي أوشكت أن تقتله . ومنذ تلك اللحظة بدأت معاناته ؛ حيث ظل في المستشفى بعدها لمدة أربع سنوات أجرى خلالها ستة عشرة عملية جراحية في أنحاء متفرقة من جسده ، إضافة إلى أنه ظل لمدة تسعة أشهر لا يستطيع الكلام ، كما ثبَّت له الأطباء عددًا من المسامير لشد أجزاء من جسده استمر يعالج من تأثيرها على ظهره لمدة اثني عشر عامًا إلى أن استقر به الوضع إلى عدم القدرة على تحريك يديه أو قدميه تمامًا . ويعتبر عبد الله بانعمة أن أكثر ما يصيبه بالحسرة نتيجة هذه الإعاقة الشديدة هو عدم قدرته على احتضان أمه أو التعلق بملابسها والبكاء على صدرها ، إضافة إلى عدم تمكنه من تقليب أوراق المصحف بمفرده وحاجته إلى من يقوم له بهذه المهمة .
ويختتم عبد الله بانعمة بنصيحة يوجهها إلى الشباب من أقرانه بأن يستغلوا حياتهم بشكل سليم ، وألا يضيعوها في أمور غير مفيدة ، وأن يكون التزامهم بدينهم وبرهم بوالديهم وتفوقهم في الدراسة أو العمل هو الشغل الشاغل لهم لاستثمار تلك الحياة التي لا تستمر طويلاً.
رابط التقرير على موقع "الوعي الشبابي " المنشور يوم 26 مارس 2015 


٩‏/٢‏/٢٠١٣

مصاب الثورة عبد الله شلش : أشاهد الدنيا بعيون زوجتى


لم يكن يدرى حين توجه إلى ميدان التحرير للمشاركة فى جمعة الغضب - التى تداعى إليها الثوار يوم 28 يناير2011- أنه سيعود دون عينيه ، أو أنه سيكون أحد مصابى الثورة الذين سيحملون هذا الوسام طول حياتهم . ورغم ذلك لم يندم على هذه الإصابة التى لحقت بعينيه ؛ بل كان يتمنى أن يموت فى سبيل تحقيق هدف الحرية الغالى ، مؤكدا أن الذين قضوا نحبهم خلال أيام الثورة فازوا بالنصيب الأوفر بينما كان جزاء المصابين بعدهم فى المرتبة الثانية .
وكان شعور عبد الله شلش - أحد مصابى الإخوان فى الثورة - بالفخر أكثر حين توجه إلى نفس المكان الذى استقبلت فيه كلتا عينيه الخراطيش الثلاثة ، حيث أحس حين زار ميدان التحرير بعد الثورة – فى مليونية 18 يوليو - أنه قام بدور  فى تحرير مصر من الكابوس الذى ظل جاثما على أنفاس أبنائها طوال ثلاثين عاما . كما يشكر الله على أنه اصطفاه من بين الملايين ليحصل على هذا الشرف الكبير بأن تصاب عينيه فى سبيل الوطن ، وبناء على كلمة حق عند السلطان الجائر الذى دمر مع أعوانه الحرث والنسل .  
وأفسح المجال أمام " شلش " ليحكى ما حدث معه خلال أيام الثورة حيث يقول: صليت الجمعة مع جموع غفيرة من الإخوان فى مسجد بشارع ترسا وبعدها خرجنا فى مظاهرة نحو التحرير بدأت بخمس مائة شخص إلى أن أصبح حصر عدد المشاركين فيها صعبا حين وصلت إلى التحرير ؛ بسبب انضمام حشود كبيرة إليها من كافة الشوارع والمناطق التى مرت عليها ، لافتا إلى أن الرحلة لم تكن سهلة ؛ حيث واجهت المظاهرة مقاومة عنيفة للغاية من جانب أكثر من قوة أمنية فى شارع الهرم ، وميدان الجيزة ، وكوبرى قصر النيل ، وانتهاء بثلاث حوائط صد بشرية داخل الميدان . إلا أن المتظاهرين تمكنوا من صد هذه الهجمات العنيفة ، وتخطى هذه الحواجز التى انهارت بسبب العدد الكبير والإصرار الذى كان مسيطرا على الجميع بأن يضعوا نهاية لهذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر .
ويضيف مصاب الثورة : بعد وصولنا إلى التحرير لم يتوقف ضرب الشرطة لنا بالقنابل المسيلة للدموع والخراطيش ، ولمحت أحد الجنود يسير بجوار أحد الحوائط فقذفته بالحجارة فى نفس اللحظة التى فوجئت فيها بثلاث رصاصات تستقر فى عينى ؛ الأمر الذى أفقدنى البصر على الفور . ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة العلاج لمحاولة إعادة النور إلى عينى . وتمكنت بعد عمليتين من أن أشاهد الأشياء بصعوبة بالغة ، كما أكد الأطباء أن هناك عمليتين أخريين لابد من إجرائهما لإزالة " زيت السيليكون " وضبط الشبكية .
كان شلش يعمل محاسبا فى أحد مصانع الطوب بمدينة البدرشين بالجيزة ، إلا أنه توقف – بالطبع – عن ممارسة العمل بسبب الإصابة ، وأصر خلال لقائى معه على توجيه الشكر لصاحب المصنع الذى كان يعمل به – الحاج رأفت الحمزاوى – على وقفته المتميزة معه بعد الإصابة ، كما لم ينس عبد الله الإشارة إلى موقف زوجته نادية لبنة التى كانت عينه التى يشاهد بها العالم منذ إصابته حتى الآن .
الطريف |أن الرصاصات الثلاث التى استقرت فى عينى شلش لم تكن الهدية الأولى التى تلقاها من النظام السابق ؛ حيث سبق أن قضى فترات طويلة من الاعتقال خلال الانتخابات البرلمانية منذ عام 2000 حتى 2010 ، كما كان ضيفا دائما على مقر مباحث أمن الدولة .
    

٥‏/٧‏/٢٠١٠

سلمت يداك

إلى شاعر حرك وجداني بكلمات خلتها ضرب الرصاص
سلمت يداك
قربت لي في الأرض ما أحسستُه عالٍ .. هناك
فاسلم وواصل ما بدأت وكل غالٍ قد فداك
********
فالليل ينتظر الضياء
والجدب يشتاق الرواء
والأمة العطشى يعوزها شلال ماء
********
والله إن الشعر حين يكون مصدره القلوب
ينساب في الأرواح يمسح ما تعلق من عيوب
تسَّاقط الكلمات منه .. بعزفها روحي تذوب
********
فانشد وواصل رافعًا أصوات جيل
سئم السكون وضره صمت عليل
يرنو إلى فجر قريبٍ يقهر الليل الطويل
********

وحينها تصفو النفوس ونستعيد الذكريات
تنزاح رائحة العفونة ، تحتوينا الأمنيات
يتعاظم الإقدام فينا مستخفًّا بالممات
********
يا أيها الشعراء يا من بالمحاسن تفتنون
أهدي إليكم صرختي فعساكم تتراجعون
وتحطموا أصنامكم ؛ ركب المعالي تلحقون

٢٩‏/٦‏/٢٠١٠

أفاق عربية .. حين تُجهض الأحلام ويُقصف القلم


كانت آفاق عربية بمثابة البيت الذي نؤوب إليه بعد التعب ، والحضن الدافيء الذي يضمنا عند الحاجة إلى الأمان ، والصدر الحنون الذي كان يستوعبنا لحظة البكاء والأنين ..
صنعت منا الجريدة قامات جيدة في الصحافة كل حسب قدراته ومواهبه .. كانت نسبة الانسجام والاتفاق بين أبنائها مثالية بين كافة الإصدارات والمطبوعات التي عرفناها .. مثلت لنا جريدتنا الفقيدة المدرسة التي تلقينا فيها الدروس في الصحافة والأخلاق ، كان اسمها يسبقنا في كل مكان نذهب إليه .. فالاحترام لها متوفر ، وإن اختلف معها البعض في التوجهات والرؤى ، إلا أن التقدير والتوقير لها كان هو الوضع الطبيعي لدى الجميع ..
ربما رأيتم من فقد ابنه أو أحد والديه .. هل شعرتم بغربته ووحشته ؟ هذا بالتحديد ما شعرنا به حين تقرر إغلاق الجريدة في ذلك اليوم - الثلاثاء - ، ومنذ ذلك الحين نمر على العمارة الأولى في شارع نوال فنصعد إلى مكاتبنا فيها بقلوبنا قبل الأقدام ، ندور بين الغرف لنتذكر تلك الماكينة التي كانت حية في ذلك المكان ، نسترجع " قفشاتنا" وضحكاتنا وأحلامنا التي وئدت مبكرًا ..
من آفاق عرفَنا الناس ، ومنها ولجنا إلى نقابة الصحفيين ، وعبرها كتبنا ما تراءى لنا أنه في صالح الأمة والوطن والأهل .. كم دافعت آفاق عن المظلومين ، واستقبلت الثكالى والمكلومين ، وناصرت الضحايا والمقهورين .
كانت منبرًا لقول الحق في وجه الجائرين أيًّا كانت مناصبهم أو درجاتهم في الوقت الذي كان غيرها يسعى إلى المال وترضية السلطان بأي شكل .. كانت راية يتجه إليها الذين ضاقت بهم الدنيا واستبد بهم القهر والتعسف فلا يجدون فيها إلا صدق الكلمة وشجاعة التعبير ..
فيها اقتربنا من أصحاب القلوب النقية ، وعرفنا كيف تجتمع الأخوة والعمل تحت سقف واحد ..
فيها اقتربت قلوبنا ، وتشابكت توجهاتنا ، والتحمت أسرنا .. فإليها التحية والتقدير .

٢٤‏/٦‏/٢٠١٠

أوباما .. حبيب العرب!


أوباما" كل " دماغنا بكلام حلو وخطير

قال لازم حل عادل ، والمسلم ده أمير

ولقينا بعد فترة إن احنا بنستجير

من "كيله " وظلمه برضه أتاريه كداب كبير

بس ارجع أقول يا صاحبي العيب مهوش عليه

العيب على أمة باعت راسها وحاجات كتير

بدائل النيل متوفرة .. لا داعي للقلق



لست مع المتخوفين من الأزمة الخانقة التي يمر بها نهر النيل خلال هذه الفترة ، كما أنني لست قلقًا من المؤامرة واسعة النطاق التي تدور رحاها على شطآن النيل الغالية من جانب دول الحوض التي لم يعلم معظمنا أسماءها إلا منذ شهور। ولاشك أن هذا الاطمئنان لم ينشأ عن تحركات مصرية واسعة النطاق والتأثير ؛ لسبب بسيط يتمثل في أننا لم نعتد من حكوماتنا العبقرية التحرك سواء قبل الأزمات أو بعدها ، اللهم إلا تحركها في مواجهة مواطنيها الذين يحتجون على أوضاع سياسية أو مادية غير مرضية.

اطمئناني من ناحية أزمة النيل يرجع إلى أن هذه الأزمة لن تؤثر على بلادنا – التي هي هبة النيل كما قال الراحل هيردوت – بل إن هذه الأزمة الخانقة التي يمر بها نيلنا الجميل فرصة ذهبية أتاحتها لنا الأقدار للعودة إلى الجذور ؛ فليس هناك أحلى ولا أجمل من العودة للجذور !! وأود الإشارة إلى أننا لم نحفظ النعمة التي وهبها الله لنا من خلال هذا النهر العظيم ، فردم النيل في مناطق واسعة يتم على قدم وساق دون توقف ، ودون أي محاولة من جانب المسؤولين لوقف هذه التجاوزات ، وذلك عملاً بمبادئ صلة الأرحام ، واحترام حريات الآخرين ، وبعدين " هو النيل هيخلص يعني لما كل واحد يردم كام متر ؟" ، يأتي ذلك في الوقت الذي لم تتوقف عمليات غسيل " المواعين والحصر والأحصنة والحمير " داخل نهرنا الخالد على مدى سنوات طويلة ، لذلك فليس مقبولاً أن يأتي اليوم من يبكي على النيل – أو يتباكى عليه – ، أو نغضب من الذين يبحثون عن مصالحهم التي تتمثل في إقامة السدود على النيل من منابعه إذا لم نكن قمنا بأي تحرك على مدى السنوات الطويلة لحفظ حقوق هذا الشعب الكبير – في العدد على الأقل – خاصة إذا علمنا أن هذه المخاوف ليست جديدة ؛ بل نعرفها منذ عشرات السنين ، إلا أن الثقة المتناهية التي تميز متخذي القرار في بلادنا العزيزة كانت تطمئننا بشكل دائم ، وتنصحنا بأن نضع " بطيخة صيفي من النوع الكبير" داخل بطوننا؛ لأن هذه التوترات لن تؤثر فينا من قريب أو بعيد ، كما لم نعط أي اعتبار للمئات من التحليلات والتقارير التي أصدرتها مراكز البحوث في كافة أنحاء العالم ، والتي كانت تشير إلى أن الحرب المقبلة لن تكون حرب صواريخ ومدافع وطائرات ؛ بل حرب مياه ، ومن الواضح أننا فهمنا أن حرب المياه هي التي تستخدم فيها الخراطيم والحنفيات العمومية و" الشطافات " ، ولذلك لم نقلق لأن كل هذه الأدوات لعبتنا ، ولدينا من السباكين المهرة من يستطيعون خوض أعتى الحروب وأشرسها في مجال المياه । ولذلك كان صادمًا لنا ما اكتشفناه بعد ذلك حين عرفنا بالمصادفة أن حرب المياه هي الحرب التي ستنشب بسبب الرغبة في الاستحواذ على المياه ؛ لندرتها وحاجة الناس المتزايدة إلى حصص أكبر منها ، حتى بعد هذا الاكتشاف لم نعر الأمر اهتمامًا ؛ لسبب بسيط وهو أن الدول التي تسيطر على منابع النيل أفارقة غلابة لن يتجرؤوا على رفع أصواتهم في وجه الشقيقة الكبرى ومهد الحضارة ودولة الريادة

لذلك كانت المفاجأة صادمة – بالنسبة لنا على الأقل – حيث كبر الصغير ، ونطق الأبكم واكتفى المحتاجون . والآن ॥ بعد أن اتضحت أبعاد المؤامرة ، وانكشف عجزنا الواضح في التواصل مع هذه الدول – ربما لأن اللغات التي يتحدث بها هؤلاء لا يفهمها الأخوة الذين كان قدرنا وقدرهم أن يتولوا هذه المسؤولية . . لذلك لابد من أن نتجاوز الأزمة ، ونعبر عنق الزجاجة ، ولا ندع للإحباط إلينا سبيلاً ॥ وهذا ما تعودنا عليه في دولتنا العظيمة صاحبة التاريخ والجغرافيا وعلم النفس . وبصراحة ॥ لا يجب أن تتوقف الدنيا عند ضياع النيل وجفافه ، فلدينا من المشاكل ما يفوق ذلك بمراحل ؛ خذ مثلاً لذلك أزمة تعيين المرأة قاضية ، والسجال الذي لا يتوقف بين مرتضى منصور وشوبير ، وتداعيات المعارك الخلافية بين مصر والجزائر نتيجة المباراة المشهودة في أم درمان ، وغيرها من القضايا الحيوية التي يجب ألا يتغافل عنها المصريون

لذلك ليس مهمًّا – أعزائي - أن يعطش الناس فمنتجات البيبسي تملأ الأسواق ، ولماذا نزعج أنفسنا بالزراعة إذا كنا نستورد كل شىء من خارج الديار ، ولماذا نتعب بالتفكير في تحلية مياه البحر إذا كانت شركات المياه المعدنية في العالم ترحب بالعطشى المصريين ، وتعتبر أن الشركة شركتهم والمياه مياههم ، ولماذا نذهب بعيدًا .. فالطلمبات التي كانت منتشرة في بر مصر يمكن بسهولة أن نعيدها إلى العمل ، ويكفي أن تقوم الدولة بتبني حملة قومية رافعة شعار " طلمبة لكل أسرة " ، وكفى الله المصريين شر النيل ومشاكله . خاصة أن الإخوة الأفارقة كشروا عن أنيابهم البيضاء في وجوههم السمراء ؛ مما ينذر بعواقب ليست جيدة .. لذلك فلا مشكلة في ردم النيل .. واستثمار أراضيه الخصبة في بناء قصور فارهة . منها نحل أزمة السكن بالنسبة لقطاع كبير من المواطنين الذين ضاقت بهم مارينا ومدينتي والرحاب ، ومنها في نفس الوقت توفير فرص عمل لعدد كبير من الشباب الذين سيعملون حينئذ في خدمة هؤلاء المواطنين السوبر .. خدم وطباخين ومكوجية وأصحاب ملاهي ومراجيح .. يا جماعة ردم النيل خير ، ولكننا لا ندركه بنظرتنا القاصرة.



٢٥‏/٥‏/٢٠١٠

أحبك يا رسول الله


أحبك يارسول الله
أيا قدوة
أيا أسوة
أيا شمسًا من الإشراق جاءتنا لتهدينا
ويا قبسًا من الرحمن أقبل ينشر الدينا
ويا نبعًا من الخيرات أنبت في بوادينا
***
أحبك يا حبيب الخالق الأعلى وصفوته
ويا من تعشق الدنيا وتهوى نور طلعته
ويا من أنقذ الإنسان من بلوى غوايته
***
بحبك يا نبي الله أسمو فوق مأساتي
وأعشق كل ما في الكون أسخر من جراحاتي
وأهدي النصر أمتنا وأربح كل جولاتي
***
أحبك رحمة جاءت لتنقذ كل حيران
وتمنح للدنا نورًا وتهدي الإنس والجان
تؤسس دولة للحق كنت إمامها الباني
***
شفيع الخلق يا طه ويا نورًا من الرحمن
أتيت اليوم كي أدنو وأسأل ربي المنان
بأن أسمو وأن أحظى بقربك أيها العدنان



١٢‏/١٢‏/٢٠٠٩

بين عام آت .. وأعوام استأذنت في الرحيل!!


ما أقسى أن يشعر الإنسان بأن أيامه تتسلل من بين يديه ، وأن سنوات عمره تمضي إلى غير رجعة لتنضم إلى أخواتها اللاتي تسربن من حياته حتى الآن . هذا الشعور تحديدًا هو الذي شعرت به في هذه الآونة وأنا أراقب مرور 37 عامًا على حياتي في هذه المعمورة .. بالطبع لا يستطيع أحد أن يوقف الأيام التي تتوالى ، أو يهدئ من الساعات التي تهرول ، لذلك أجدني غير مصدق أن هذا العمر لي ، أو أن هذه السنوات الطويلة مرت من حياتي .
أتذكر في طفولتي حين كنت أمر بجوار المدرسة الثانوية وأرى طلابها فارعي الطول يقفون في فناء المدرسة ، كم تمنيت وقتها أن أكبر لكي أصبح مثل هؤلاء الطلاب .. وحين وصلت إلى تلك المرحلة تمنيت أن ألتحق بالجامعة كي أخرج في المظاهرات ، وأركب المواصلات يوميًّا كي أصل للجامعة التي مرت سنواتها دون أن أدري ، ولم أشعر بالطبع بسنة الخدمة العسكرية ، إلى أن بدأت العمل ودارت دورته ، ثم الزواج والأبناء والمسؤولية .. دوامة لا يكاد الإنسان يشعر بها إلا وهي تتقاذفه يمينًا ويسارًا دون أن يدري ....
سنوات مرت لا أدري في أي الموازين كتبت ..
شابتها نجاحات لا حصر لها في نفس الوقت الذي عانيت فيها إحباطات غير قليلة .
تعرفت فيها على أشخاص يطاولون الملائكة في سموهم وهممهم التي ترفرف في السماء ، في الوقت الذي واجهت آخرين قد لا يقلوا عن الشياطين في دناءتهم وانحطاط أخلاقهم ..
أحببت أشخاصًا ولم أرتح لآخرين ..
تمتعت بنعم كثيرة من الله بها علي بينما كان الشكر من جانبي غير متناسب مع جلال هذه النعم وعظمتها ..
ربما كان احتفاء الأشخاص بأيام ميلادهم ظاهرة لا يقبلها كثيرون إلا أنني أرى أنها فرصة لاستعادة التوازن ، والتخطيط للسنوات المقبلة ، ومحطة مهمة في الاستفادة من الأخطاء والسعي إلى تحقيق الأهداف التي لم تتحقق .
سنوات مرت .. ولا أعلم إن كانت ستلحقها سنوات أم شهور أم أيام أم ساعات أم سيتوقف العمر بعد لحظات ..
في وداع عام .. لن أبكي على ما خسرته فيه ولن أفرح بما حققته ..
وفي استقبال عام أعتزم أن يكون أفضل من كل سابقيه .. أجدد العزم .. وأستنهض الهمة .. وأنظر إلى المستقبل بنظرة مختلفة .. وأذكر نفسي بأن أيامنا معدودة ، وأن " فيه ناس تعيش أموات.. وكتير برغم الموت : تحت التراب عايشين "

٦‏/١٢‏/٢٠٠٩

عبد الخالق .. نموذج فريد



حين دخلت كلية الحقوق في إحدى جامعاتنا العريقة، لفت انتباهي هؤلاء "الزملاء" الذين كان عمر بعضهم يتجاوز أعمار آبائنا.. وكنت أتساءل عن هذا الإصرار الذي يمتلكونه، والذي يتيح لهم تجاهل الفارق العمري والجلوس في مقاعد الدراسة إلى جوار شباب يصغرونهم بسنوات طويلة؟!!.. إلا أنه منذ أيام أضيفت علامة تعجب جديدة بحجم أكبر؛ وذلك حين رأيت هذا الشيخ الوقور يجلس ليستمع إلى تقييم رسالته للدكتوراه، مجهزًا أوراقه ليدخل الموسوعة العالمية للأرقام القياسية من باب العلم؛ ليصبح الأكبر في الحاصلين على درجة الدكتوراه في العالم؛ فلم يمنعه عمره المتقدم من أن يمنحنا مثالاً نادرًا في الوثوب إلى التفوق والعلم والاجتهاد، ورغم سنواته التي قاربت الأربعة والتسعين إلا أن تطلعه إلى الحصول على درجة الدكتوراه لم يتوقف، وعزمه في مناقشة رسالته التي أعدها منذ ربع قرن لم يلن، ولم تستطع السنوات الطويلة التي مرت من حياته في أن تسرب اليأس إلى أعماقه.

لم يحسبها محمد فريد عبد الخالق- الحاصل على درجة الدكتوراه منذ أيام وعضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين- بنفس حساباتنا التي تعطي للعمر قيمة أكبر وتقف عند حدوده بشكل لا يقبل التهاون؛ بل تجاهل السن وانطلق يمنح نفسه سعادة اللحظة، ويربي فينا- في الوقت نفسه- ثقافة الطموح التي تغيب عن الآلاف- إن لم يكن الملايين- من شبابنا الذي يحول ضيق ذات اليد أو الانشغال في البحث عن لقمة العيش دون تطلعه إلى درجة علمية أفضل، أو تقدم علمي في تخصصه، أو حتى تجاوز خطوات في اكتساب المهارات التي لم يعد الاستغناء عنها ممكنًا خلال الوقت الراهن.

لم يؤمن بالمثل القاتل- وليس القائل- "بعد ما شاب ودوه الكُتَّاب"؛ فلم ير عيبًا وهو في هذا العمر أن يلبس الروب، ويقف في قاعة درس صغيرة بكلية الحقوق بين يدي أساتذة في عمر أبنائه؛ ليجيب عن تساؤلاتهم، وربما تلعثم في الإجابة عن بعض الأسئلة كما يرتبك جل الذين يناقشون رسائلهم العلمية، ولم ير "الطالب" حرجًا في أن يسنده أبناؤه من اليمين والشمال حتى يتمكن من الوصول إلى ذلك الكرسي الذي طالما تاق إلى أن يجلس عليه في ريعان الشباب؛ ولكنه لم يتنازل عن الجلوس عليه في نهاية العمر.

إنها دعوة مجانية لأن ندرك أن اليأس ليس من شيم الرجال، وأن العلم وطلبه لا يمنعه التقدم في العمر، وأن نوقن بهذه الوصية الرائعة التي كنا نقرؤها على كراساتنا المدرسية، واختفت ضمن ما اختفى من قيم جميلة ومعانٍ رائعة: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".

لا أدري.. ربما كان الهدف من إصرار الشيخ على تحقيق هذا الإنجاز بالحصول على الدرجة العلمية التي تأخرت عنه عشرات السنين أن يثبت لنا بالصوت والصورة أن طلب الغايات الكبيرة يحتاج إلى همة كبيرة في نفس الحجم؛ فهل وصلت الرسالة؟!